ابن قيم الجوزية
135
البدائع في علوم القرآن
به خلاف حكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته ، وهو من ظن السوء . ومن ظن به أنه إذا ترك لأجله شيئا لم يعوضه خيرا منه ، أو من فعل لأجله شيئا لم يعطه أفضل منه ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن به أنه يغضب على عبده ، ويعاقبه ويحرمه بغير جرم ، ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ، ومحض الإرادة ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة ، وتضرع إليه ، وسأله واستعان به ، وتوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله ، فقد ظن به ظن السوء ، وظن به خلاف ما هو أهله . ومن ظن به أنه يثيبه إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه ، وسأله ذلك في دعائه ، فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده ، وخلاف ما هو أهله وما لا يفعله . ومن ظن به أنه إذا أغضبه ، وأسخطه ، وأوضع في معاصيه ، ثم اتخذ من دونه وليا ، ودعا من دونه ملكا أو بشرا حيا ، أو ميتا يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ، ويخلصه من عذابه ، فقد ظن به ظن السوء ، وذلك زيادة في بعده من اللّه ، وفي عذابه . ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا دائما في حياته وفي مماته ، وابتلاء بهم لا يفارقونه ، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصية ، وظلموا أهل بيته ، وسلبوهم حقهم ، وأذلوهم ، وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه ، وأهل الحق ، وهو يرى قهرهم لهم ، وغضبهم إياهم حقهم ، وتبديلهم دين نبيهم ، وهو يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده ، ولا ينصرهم ولا يديلهم ، بل يديل أعداءهم عليهم أبدا ، أو أنه لا يقدر على ذلك ، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئة ، ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته ، تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضة ، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه ، سواء قالوا : إنه قادر على أن ينصرهم ، ويجعل لهم الدولة والظفر ، أو أنه غير قادر على ذلك ، فهم قادحون في قدرته ، أو في حكمته وحمده ، وذلك من ظن السوء به ، ولا ريب أن الرب الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن به ذلك غير محمود عندهم ، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك ، لكن رفوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه ، واستجاروا من الرمضاء بالنار . فقالوا : لم يكن هذا بمشيئة اللّه ، ولا له قدرة على دفعه ونصر أوليائه ، فإنه لا يقدر على أفعال عباده ، ولا هي داخلة تحت قدرته ، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم ، وكل مبطل ، وكافر ، ومبتدع مقهور مستذل ، فهو يظن بربه هذا الظن ، وأنه أولى بالنصر والظفر ، والعلو من خصومه ، فأكثر الخلق ، بل